ابن تيميه
45
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
فتبيّن بهذا أن السفر إلى المدينة أو بيت المقدس في غير الصلاة في المسجدين ليس طاعة ولا مستحبا ولا قربة ، بل هو منهيّ عنه وإن نذره ، لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من نذر أن يطيع اللّه فليطعه ، ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه » « 1 » رواه البخاري وغيره ، وهو من حديث مالك في الموطأ . فمن سافر لبيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجد مثل زيارة ما هنالك من مقابر الأنبياء والصالحين وآثارهم كان عاصيا عنده ، ولو نذر ذلك لم يجز له الوفاء بنذره ، وكذلك من سافر إلى قبر الخليل أو غيره ، وكذلك من سافر إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لمجرّد القبر لا للعبادة المشروعة في المسجد كان عاصيا ، وإن نذر ذلك لم يوف بنذره ؛ سواء سافر لأجل قبره أو لأجل ما هنالك من المقابر والآثار أو مسجد قباء ، أو غير ذلك . وقال القاضي عبد الوهاب في « الفروق » : « يلزم المشي إلى بيت اللّه الحرام ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس ، والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى اللّه . والفرق بينهما : أن المشي إلى بيت اللّه طاعة فيلزمه ، والمدينة وبيت المقدس الطاعة في الصلاة في مسجديهما فقط ، فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه ، ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك ، ولو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه » . فإذا كان إمامه ينهى عن السفر إلى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم دون إتيان مسجده ، ونهى الناذر لذلك أن يوفي بنذره ، والمالكية - بل الأئمة الأربعة - وغيرهم متّفقون على أن ذلك لا يوفي بنذره ، بل مالك والجمهور نهوا عن الوفاء بنذره لكونه عندهم معصية ، فيلزم هذا المفتري أن يكون مالك وأصحابه مجاهرين بالعداوة للأنبياء مظهرين لهم العناد ، وكذلك سائر الأئمة والجمهور ؛ الذين حرّموا السّفر لغير المساجد الثلاثة ، وإن كان المسافر قصده الصلاة في مسجد آخر . ومعلوم أن المساجد أحبّ البقاع إلى اللّه ، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أحبّ البقاع إلى اللّه المساجد ، وأبغضها إلى اللّه الأسواق » « 2 » . والأئمة الأربعة متفقون على أن السفر إلى مسجد غير الثلاثة لا يلزم بالنذر ، ولا يسنّ ، وليس مستحبا ، ولا طاعة ولا برّا ولا قربة ، وجمهورهم يقولون : إنه حرام ، مع أن قصد المساجد للصلاة فيها والدعاء أفضل بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم واتفاق علماء أمته من قصد قبور الأنبياء والصالحين والدعاء عندها ، بل هذا محرم نهى عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6696 ، 6700 ) ومالك في « الموطأ » - 22 - كتاب الأيمان والنذور ، 2 - باب ما لا يجوز من النذور في معصية اللّه ( 2 / 27 ) وأبو داود ( 3289 ) والترمذي ( 1526 ) وابن ماجة ( 2126 ) وأحمد ( 6 / 36 ) وغيرهم . من حديث عائشة رضي اللّه عنها . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 671 ) من حديث أبي هريرة بلفظ : « أحبّ البلاد إلى اللّه مساجدها ، وأبغض البلاد إلى اللّه أسواقها » .